Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

 

 

نبذة حول أطول قصيدة: (الألوان ترتعد بشراهة)

نص واحد مطول يقع في أكثر من 1035 صفحة، صدر عن "مركز الحضارة العربية بالقاهرة" في يناير من عام1999. يقول الناقد الدكتور صلاح فضل رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة عين شمس واصفاً "ألوان" شريف الشافعي: إنه نص مدهش ومرهق في الآن ذاته، يفتتح به كاتبه الشاب الطموح صفحة جديدة ومثيرة في الشعرية العربية في مصر، موازية لصفحات أخرى في مناطق عديدة من الوطن العربي. ولأنه نص شديد الخطورة والعرامة، فإن القبض التام عليه وتدجينه بالوصف مستحيل لأنه يمتلك قدرة على الاستفزاز والنفاذ والقفز على التوصيف النمطي المألوف. ولعل مقاربة خواصه الشعرية أن تبدأ بتحديد استراتيجيته الدلالية أولاً، إذ تتمثل فيما يسمى "عدم تحديد المعنى" باعتبارها سمة حداثية بارزة مهيمنة على ما عداها، ومؤدية إلى صعوبة تبيينه معنوياً عند نواة دلالية متراكمة ومتراتبة.

أما الكاتب خيري شلبي (رئيس تحرير مجلة الشعر الفصلية) فيقول عن "الألوان ترتعد بشراهة" لشريف الشافعي: إنه نص يحمل عبقرية شعرية فذة بكل المقاييس، وليس في حكمي هذا أدنى مبالغة أو حماسة. إن الشاعر هو شاعر العرب قاطبة خلال السنوات القليلة القادمة. حقاً حقاً. إنه سائر على درب شعراء التحول الذين يقودون الحركات الفنية إلى آفاق عليا جديدة ويغيرون مسارها.

أما الناقد الدكتور محمد عبد المطلب الأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس فيقول عن "الألوان" : هذا العمل نموذج متميز للشعرية الجديدة بكل مغامراتها الجمالية، وأهمية هذه الشعرية الحداثية تتأتى من انفتاحها على العالم الداخلي والخارجي على حد سواء.  

 

 

أما شريف الشافعي فيقول عن تجربته:

                  بالنسبة لي في الديوان الأخير "الألوان ترتعد بشراهة" وهو يضم نصاً واحداً مطولاً تزيد صفحاته على الألف صفحة، فلا أميل لأن أوضع في خانة "شعراء النثر"، فقد حاولتُ إفساح المجال للتمازج بين تيمات إيقاعية وتيمات نثرية عديدة،  حيث يتم طرح فكرة "التعدد" بكل مستوياته الممكنة (إيقاعياً طباعياً- جمالياً- لغوياً- تأويلياً- .. إلخ) مع جعل النص بوتقة كبرى تتسع لضم الأجناس الشعرية الأساسية (الشعر الغنائي-الشعر الدرامي- الشعر الملحمي)، وتتسع لتفاعل جانبين محوريين، أحدهما انفعالي تلقائي فطري، وثانيهما يتوخى الحذر الذهني والهندسة البنائية. كما حاول النص الشعري أن يحتضن شتى العلوم والمعارف (الكيمياء الفيزياء- الميكانيكا- البيولوجي- التاريخ- الطب-الاقتصاد- الجيولوجيا-إلخ إلخ)، مع حرصي على إعطاء أدوار فنية لكافة الطيور والنباتات والحيوانات وأعضاء جسم الإنسان المشرّحة والعناصر الطبيعية ومفردات الكون وخلافه. لقد حاولتُ ببساطة أن أفسح الفضاء للحالة الشعرية الطقسية الكلية لكي تأخذ بنفسها - لنفسها - الإخراج الهيكلي الأمثل لها، أو الوعاء الفيزيائي الملائم .طول النص المفرط ليس مزية في حد ذاته بالطبع ، ولا هو بعيب كذلك على وجه الإطلاق. ففي تصوري أن هناك نصوصاً شعرية تستغرق صفحة أو اثنتين ويمكن وصمها بالإطالة غير المبررة،وهناك نصوص تستغرق مئات الصفحات ولا يشعر متلقيها بملل ناجم عن تكرار أو تداعيات . الكائن الشعري الكامل بأسره إذن هو الذي ينبغي النظر إليه: بروحه، وجسده، وملابسه،وهيئته،وزينته،وعطره، وضوضائه، و ...... إلخ إلخ. وكلما كانت العلاقات بين كل ما يخص هذا الكائن متناسبة متناسقة مبررة بصورة أو بأخرى، كلما كان كائناً سوياً خالياً من الأورام والزوائد والأكياس الدهنية والعكس صحيح. إن إفساح الفضاء لحركة "الحالة الشعرية" بحرية ، مكنني من الانطلاق عكس مقولات تنظيرية ونقدية عديدة من حق غيري أن يقدسها أو يؤمن بها ، ومن هذه المقولات: أننا نعيش "عصر الرواية"، وأن قصيدة اليوم هي فقط "قصيدة اللقطة الفوتوغرافية القصيرة" ،.... وما إلى ذلك من مقولات تتشح بالحداثة، وترفع لافتة الخصومة مع من يحاول مراجعتها أو الاختلاف معها أو التحاور ، أو حتى التجاور معها برأي موازٍ، رغم أن الحداثة ذاتها (وما بعدها) هي محراب الاختلاف الفسيح.

لقد أعفيتُ نفسي تماماً كأحد المنتمين من الناحية الزمنية إلى التسعينيات - من حيرة الدوافع النظرية أو البواعث الاجـتماعية المباشرة للكتابة، وجعلتُ غايتي الجوهرية طوال سنوات التأليف الثلاث هي صناعة النموذج الجمالي اللائق بالقراءة ( بالنسبة لي بطبيعة الحال) . أما (الآخرون) فلا أغفلهم بالطبع ، فالقصيدة-طالما تقرر نشرها في كتاب مطبوع فهي فعل احتراف وتكوين ناقص يكتمل بعملية التلقي. ولكنني قصدتُ أنني أجعل الغلبة لخصوصية الذات (شعورياً وتعبيرياً) في حالة إذا ما تصارعت هذه الخصوصية مع مقتضيات التواصل مع الآخر أو مع بعض الثوابت الجمالية أو المشتركات الجماعية . أما الذي أقصده بــ"النموذج الجمالي" فلا يعني بالطبع التنصل من الغاية الاجتماعية للفن ، وقد باتت هذه القضية مسلّمة في غير حاجة إلى المزيد من النقاش . وبغض النظر عن معايير الجودة النسبية وقوانين الاتفاق والاختلاف في الذائقة ، فمن الناحية الشكلية البحتة يظل نص "الألوان ترتعد بشراهة" من أخصب النصوص طولاً في ذاكرة الشعرية العربية القديمة والحديثة على السواء ، وهذه معلومة لا تتعلق بتحليل الأدب ولا بتقيـيـمه بقدر تعلقها بتاريخه .  

ويقول الشافعي: حاولت أن أخطو بقصيدتي الغنائية خطوة حذرة عبر اللجوء إلى تقنية "الشخصيات الفنية" في "الألوان ترتعد بشراهة"، والتي يبلغ عددها حوالي ثلاثين شخصية في النص ، ومبرر ذلك الأول هو إنشاء نوع من التجادل الفني يشي بدراما شعرية أو بشاعرية درامية على نحو أدق ، حيث توظف المسرحة لخدمة الشعر، وليس العكس كما هو شأن المسرحيات الشعرية. ويتوازى توظيف الشخوص والمسرحة في خدمة الشعر مع توظيف السينما والفنون التشكيلية والسرد الروائي....وغيرها من أنماط التعبير الإبداعي، ويصير الهدف الغائي هو تخلص التجربة من غنائيتها ساعية نحو طابع ملحمي عام ، ومن ثمَّ يبدو النص - ككل - مزجاً بين فنون الشعر الكبرى الثلاثة: الشعر الغنائي، الشعر الدرامي، والشعر الملحمي . كذلك - وهذا هو المبرر الثاني لوجود الشخصيات - فقد يسرت الشخصيات العديدة من مهمة استحضار "الأخرى" أو الـــ"هي" في النص، حيث يمكن أن ترتدي هذه الــ"هي" أحد وجوه تلك الشخصيات النسائية بسهولة (كاميليا- سلوى-نورا-فدوى-نجلاء …… إلخ ). أما المدينة التي تدور فيها أحداث كثيرة فهي مزيج من واقع كابوسي وأسطورة محلّقة، وتحمل اسم "يَعْطَش"، وقد اشتققتُ اسمها من حروف العين والطاء والشين، وجعلتُ الاسم على صيغة الفعل المضارع ليفيد معنى استمرارية هذا العطش المتحقق في المدينة. وللمدينة ناسها (اليعطشيّون) وأحداثها وتاريخها وزمانها ومكانها وقوانينها وحكّامها و .. إلخ . وأتصور ولعلني غير محق أن  الشعر الدرامي والشعر الملحمي من الممكن أن يشهدا تطوراً أكبر في المرحلة القادمة من الشعر في مصر بعد أن بلغت القصيدة الغنائية مداها المتفوق .  

   

المقطع الأول من "الألوان ترتعد بشراهة" لشريف الشافعي:

 

كائناتٌ تذوبُ /

ويصطدمُ النجمُ في آخرِ امرأةٍ بالوريدِ،

أقومُ من الوردةِ الساحليةِ .. واليودِ،

كي : كائناتٌ تعودَ ،

أقومُ ،

ويصطدمُ النجمُ في أولِ امرأةٍ -

كانتِ الأرضَ قبلَ التكوُّرِ،

والشمسَ قبلَ اختراعِ الجليدِ /

خذي حقنةً من شذاً ،

وخذي معطفينِ -

من الفحمِ .. والدورةِ الدمويةِ:

لي .. ،

ولصوتِ الطواحينِ:

ذاكَ الذي يتعلقُ في بطنِ أمي بخيطِ الطباشيرِ /

جاء الغديرُ :

على إصبعٍ واحدٍ .. وثمانٍ وتسعينَ أنثى ،

وجئتُ على ريشةٍ لا يُبلِّلُها غير ماءِ الحنينِ إلى أولِ الشيءِ /

جئتُ ،

وهذا الرخامُ تلبَّسَني :

فأصابَ المثانةَ بالبردِ ،

والقلبَ بالوردِ .. ،

جئتُ ،

وها : جثتي تعبرُ النهرَ -

من مطلعِ الفجر .. حتى قميصي الجديدِ /

الروائحُ طيبةٌ كأبي ،

( هل تغوصينَ في وجعِ الطميِ خلفَ النداءِ الذي .. ؟ )

وأبي ضاحكٌ .. كانصهارِ الدهونِ بثديينِ /

ها : جثتي تتأبطُني ،

( هلْ تأبَّطَكِ الطميُ أم حِسُّهُ ؟ )

وأبي ضاحكٌ كعجين الفطائرِ ،

.. أو كالهلالِ الوليدِ الوئيدِ /

دمي : بحةٌ غيرُ محسوسةٍ ،

بقعةٌ فوقَ جِلْدِ الرصيفِ ،

مؤامرةٌ ،

صهوةٌ تمتطيها الفراشاتُ والسفنُ التائهاتُ وريشتُكِ الذهبيةُ /

معجزتي : أن أكلمَ كلَّ النساءِ ،

وألتقطَ الحبهانَ الضريرَ من الأرضِ ،

معجزتي  : أن أكلمَ كلَّ الطيورِ ،

وأفتحَ فرجارَ ذاكرتي مـا أشاءُ /

دمي : فوطةٌ لا تجفُّ ..

إذا جفَّ صحنُ الحساءِ /

الروائحُ طيبةٌ كأبي ،

ودمي : لا يصالحهُ الأحمرُ المتشابكُ ..

حتى يصالحني حَجَرٌ

سـاقطٌ

مــنْ

زفيرِ

الزمانِ

البعيدِ /

المصابيحُ : تهبطُ

مـنْ

قمةِ

النخلةِ الأمِّ ..

كالحشراتِ المضيئةِ ،

مبتلةً : بالمخاضِ الشهيِّ ،

ببعضِ المساحيقِ ،

بالكهرباءِ ،

بطعمِ أخي .. ، وبلونِ العبيدِ /

المصابيحُ ترقصُ ..

في همساتِ البعوضِ ،

وفي عفنِ الخُـبْـزِ .. ،

هل علمَ الخبزُ .. مـا رقْصتي ؟!

رقصتي : ليسَ أنْ تُشعلي قطنةً في فمي ،

رقصتي : بللي إصبعي بسمادِ الخرافاتِ والسمكِ المرمريِّ ،

أفيقي من الوردةِ الساحليةِ واليودِ /

من عسلِ النحلِ جئتُكِ منتشياً .. ،

كم أحبُّ جراثيمكِ العاطفيةَ -

عندَ احتقانِ الطريقِ ..

( الطريقُ : أنــا ،

.... والطريـدُ ! )

.. وأنكِ لا تقتلينَ سوايَ -

إذا علَّقَ الديكُ صيحَتَهُ في ثريَّا الجنونِ /

دمي : غيرُ متحدٍ بالحديدِ ،

وما صدَّني عن رجوعي إلى ورقٍ في النباتاتِ غيرُ اخضرارِ عصارتهِ  ..

كعظامِ أبي .. وكلونِ قميصي الوحيدِ /

هنا : يطلعُ القشُّ من كبدي ،

وكراهيةٌ كاصفرارِ الهواءِ ..

(تذوبينَ كالحِبْرِ في بِرْكةٍ ؟

أم تصيدُكِ أنبوبةٌ ،

ثم ينتشرُ الحبْرُ منتشياً من بداياتِ روحي لأقصى المثانةِ ؟)

في جسدي : غابةُ البوصِ تبدو مرابطةً ،

والنبيونَ /

(ذا إصبعي يتحسَّسكِ الآنَ راحلةً ،

هل تعودينَ في قُبَّعاتِ الشياطينِ أم بالبريـدِ ؟!) /

رغيفٌ يطاردهُ الجائعونَ ،

كما طاردتْني جيوشُ الذبابِ التي عبَدَتْنيَ -

من يومِ كسْوِ العظامِ بلحمٍ لهُ بعضُ رائحةِ اللهِ والخُبْزِ /

 (هل تعودينَ خشخشةً حينَ تندلعُ الحربُ ،

أم ستقولُ البراكينُ عنكِ ، ويحكي حديثُ الرعودِ ؟) /

وما زال طائركِ المتهشمُ يسألني :

" ما اسْمُ صوتِ الزجاجِ ؟ " ،

فأسألُهُ : " ما اسْمُ صوتِ انعدامِ الحقيقةِ واللونِ ؟ " /

جائعةَ الخصْرِ تنتحبينَ ،

وسارقةً فروةَ الرأسِ تنسحبينَ من الكائنِ الآدميِّ الذي كُنْتِهِ /

‎هل هناكَ سوى طعنةٍ تتأرجحُ باردةً ..

بين صمتِ القُرى وعيونِ الجدودِ ؟؟

 

 

 

عودة