|
"الألوان" في مخيلة صاحبها
(شهادة الشاعر في مجلة "الشعر" المصرية الفصلية)
حاولتُ، في
"الألوان ترتعد بشراهة"،
إفساح المجال للتمازج بين تيمات إيقاعية وتيمات نثرية
عديدة، حيث يتم طرح فكرة "التعدد" بكل مستوياته
الممكنة (إيقاعيًّا – طباعيًّا- جماليًّا- لغويًّا-
تأويليًّا- .. إلخ)، مع جعل النص بوتقة كبرى تتسع لضم
الأجناس الشعرية الأساسية (الشعر الغنائي - الشعر
الدرامي - الشعر الملحمي)، وتتسع لتفاعل جانبين
محوريين؛ أحدهما انفعالي تلقائي فطري، وثانيهما يتوخى
الحذر الذهني والهندسة البنائية. كما حاول النص الشعري
أن يحتضن شتى العلوم والمعارف (الكيمياء – الفيزياء-
الميكانيكا- البيولوجي- التاريخ- الطب-الاقتصاد-
الجيولوجيا-الخ)، مع حرصي على إعطاء أدوار فنية لكافة
الطيور والنباتات والحيوانات وأعضاء جسم الإنسان
المشرّحة والعناصر الطبيعية ومفردات الكون.
لقد حاولتُ ببساطة أن أفسح الفضاء للحالة الشعرية
الطقسية الكلية، لكي تأخذ بنفسها - لنفسها - الإخراج
الهيكلي الأمثل لها، أو الوعاء الفيزيائي الملائم. طول
النص المفرط ليس مزية في حد ذاته بالطبع، ولا هو بعيب
كذلك على وجه الإطلاق. ففي تصوري أن هناك نصوصًا شعرية
تستغرق صفحة أو اثنتين، يمكن وصمها بالإطالة غير
المبررة، وهناك نصوص تستغرق مئات الصفحات، لا يشعر
متلقيها بملل ناجم عن تكرار أو تداعيات.
الكائن الشعري الكامل بأسره إذن هو الذي ينبغي النظر
إليه: بروحه، وجسده، وملابسه، وهيئته، وزينته، وعطره،
وضوضائه، و ...... الخ. وكلما كانت العلاقات بين كل ما
يخص هذا الكائن متناسبة متناسقة مبررة بصورة أو بأخرى،
كلما كان كائنًا سويًّا خاليًا من الأورام والزوائد
والأكياس الدهنية، والعكس صحيح.
إن إفساح الفضاء لحركة "الحالة الشعرية" بحرية، مكنني
– عند كتابة "الألوان - من الانطلاق عكس مقولات
تنظيرية ونقدية عديدة، من حق غيري أن يقدسها أو يؤمن
بها، ومن هذه المقولات: أننا نعيش "عصر الرواية"، وأن
قصيدة اليوم هي فقط "قصيدة اللقطة الفوتوغرافية
القصيرة" ،.... وما إلى ذلك من مقولات تتشح بالحداثة،
وترفع لافتة الخصومة مع من يحاول مراجعتها أو الاختلاف
معها أو التحاور، أو حتى التجاور معها برأي موازٍ، رغم
أن الحداثة ذاتها (وما بعدها) هي محراب الاختلاف
الفسيح.
لقد أعفيتُ نفسي تمامًا من حيرة الدوافع النظرية أو
البواعث الاجـتماعية المباشرة للكتابة، وجعلتُ غايتي
الجوهرية – طوال سنوات التأليف الثلاث – هي صناعة
النموذج الجمالي اللائق بالقراءة (بالنسبة لي بطبيعة
الحال) . أما (الآخرون) فلا أغفلهم بالطبع، فالقصيدة -
طالما تقرر نشرها في كتاب مطبوع – فهي فعل احتراف،
وتكوين ناقص، يكتمل بعملية التلقي. ولكنني قصدتُ أنني
أجعل الغلبة لخصوصية الذات (شعوريًّا وتعبيريًّا) في
حالة تصارع هذه الخصوصية مع مقتضيات التواصل مع الآخر،
أو مع بعض الثوابت الجمالية، أو المشتركات الجماعية.
أما الذي أقصده بــ"النموذج الجمالي"، فلا يعني بالطبع
التنصل من الغاية الاجتماعية للفن، وقد باتت هذه
القضية مسلّمة، في غير حاجة إلى المزيد من النقاش.
وبغض النظر عن معايير الجودة النسبية، وقوانين الاتفاق
والاختلاف في الذائقة، فمن الناحية الشكلية البحتة يظل
نص "الألوان ترتعد بشراهة" من أخصب النصوص طولاً في
ذاكرة الشعرية العربية القديمة والحديثة على السواء،
وهذه معلومة لا تتعلق بتحليل الأدب ولا بتقيـيـمه،
بقدر تعلقها بتاريخه.
لقد حاولتُ أن أخطو بقصيدتي الغنائية خطوة حذرة عبر
اللجوء إلى تقنية "الشخصيات الفنية" في "الألوان ترتعد
بشراهة"، والتي يبلغ عددها حوالي ثلاثين شخصية في
النص، ومبرر ذلك الأول هو إنشاء نوع من التجادل الفني،
يشي بدراما شعرية، أو بشاعرية درامية على نحو أدق، حيث
توظف المسرحة لخدمة الشعر، وليس العكس كما هو شأن
المسرحيات الشعرية. ويتوازى توظيف الشخوص والمسرحة في
خدمة الشعر، مع توظيف السينما والفنون التشكيلية
والسرد الروائي.... وغيرها من أنماط التعبير الإبداعي،
ويصير الهدف الغائي هو تخلص التجربة من غنائيتها،
ساعية نحو طابع ملحمي عام، ومن ثمَّ يبدو النص - ككل
- مزجًا بين فنون الشعر الكبرى الثلاثة: الشعر
الغنائي، الشعر الدرامي، والشعر الملحمي. كذلك - وهذا
هو المبرر الثاني لوجود الشخصيات - فقد يسرت الشخصيات
العديدة من مهمة استحضار "الأخرى" أو الـــ"هي" في
النص، حيث يمكن أن ترتدي هذه الــ"هي" أحد وجوه تلك
الشخصيات النسائية بسهولة (كاميليا- سلوى – نورا –
فدوى - نجلاء …… إلخ ).
أما المدينة التي تدور فيها أحداث كثيرة، فهي مزيج من
واقع كابوسي وأسطورة محلّقة، وتحمل اسم "يَعْطَش"، وقد
اشتققتُ اسمها من حروف العين والطاء والشين، وجعلتُ
الاسم على صيغة الفعل المضارع، ليفيد معنى استمرارية
هذا العطش المتحقق في المدينة. وللمدينة ناسها (اليعطشيّون)،
وأحداثها، وتاريخها، وزمانها، ومكانها، وقوانينها،
وحكّامها.
|