|
مقدمة المؤلف
للأمكنة في روايات أديب نوبل نجيب
محفوظ حضور جغرافي وفني طاغٍ، ويكاد يتعانق المكان
الحقيقي "الجغرافي" بالمكان الإبداعي "المتخيل" في
أغلبية رواياته التي تفسح للمكان دور البطولة في كثير
من الأحوال، وبخاصة في المرحلة الواقعية من أدب نجيب
محفوظ.
إن الباحث عن جغرافيا أحياء القاهرة
يجد ضالته في روايات نجيب محفوظ (علي مبارك زمانه)،
فقد استوعبت رواياته التفاصيل الجغرافية بل وخرائط
أحياء القاهرة في عقود القرن العشرين، وبخاصة
الأربعينيات والخمسينيات. أما المحلل الأدبي الذي
يتقصى الغاية الفنية للمكان في الرواية الأدبية أو
قيمة المكان في النص، فإنه يجد ضالته أيضًا في روايات
محفوظ المختلفة مثل بين القصرين وقصر الشوق والسكرية
وزقاق المدق وخان الخليلي وقشتمر وغيرها من الأعمال
الإبداعية التي أعلى الكاتب فيها من شأن المكان ومنحه
قيمة كبرى على الصعيد الدرامي والتصويري والفلسفي
والرؤيوي، فهي روايات "مكانية" إذا جاز التعبير.
لقد سجّل أديب نوبل نجيب محفوظ العديد
من الأمكنة القاهرية (نسبةً إلى المدينة التي ذاب
عشقًا فيها وصار رمزًا من رموزها) تسجيلاً جغرافيًّا
صريحًا من ناحية، وتسجيلاً فنيًّا دالاً وإسقاطيًّا
ورمزيًّا من ناحية أخرى.
وبين هذين التسجيلين نحاول التحرك في
قراءتنا هذه، لنقارن بين جغرافيا أحياء وشوارع وأزقة
وحارات القاهرة في عهد روايات نجيب محفوظ وبينها في
لحظتنا الراهنة، ونضع الكلمات والسطور المحفوظية التي
تصف وتصوّر تلك الأمكنة إلى جوار الصور الفوتوغرافية
الملتقطة حديثًا للأمكنة ذاتها بكاميرا حقيقية. ولا
يعنينا بطبيعة الحال الاكتفاء بتدوين تحولات المكان
وتطوراته عبر الزمان كغاية نهائية، ولكن الأهم هو رصد
التغيرات المجتمعية والتطورات الحياتية ومنحنى العادات
والتقاليد ومنظومة القيم فوق تلك الأمكنة الفريدة
الدالة التي رصدها نجيب محفوظ وقيّمها وحللها في زمن
الرواية، ونحاول نحن إعادة رصدها وتقييمها وتحليلها في
وقتنا الحالي، حيث الألفية الثالثة من عمر البشرية.
كما يشغلنا، من جهة أخرى، التعرف على
المعادل المكاني الحقيقي أو الواقعي لما هو متخيل من
أمكنة نجيب محفوظ الروائية، فهل دكان السيد أحمد عبد
الجواد بطل الثلاثية الشهير يعادله ـ مكانيًّا ـ دكان
حقيقي؟! وهل "قهوة" المعلم "كرشة" التي تتوسط "زقاق
المدق" قهوة حقيقية؟! وهل مقهى "قشتمر" بالعباسية كما
هو وارد في الرواية التي تحمل اسمه يوجد في موضعه مقهى
واقعي يحمل الاسم ذاته؟ والأهم: هل بقيت هذه الأمكنة
على عهدها منذ كتابة تلك الروايات وحتى اللحظة
الراهنة؟!
بدايةً، وقبل بدء رحلة تقصي أمكنة
روايات نجيب محفوظ على نحو تفصيلي، نشير إلى أن المكان
عند نجيب محفوظ لم يكن مجرد إطار استاتيكي، يحتضن
الأحداث، ويلتف حول حركية الشخوص، ويستوعب "سيولة"
الزمان، ولكنه كان عنصرًا جوهريًّا ـ ظاهرًا وخفيًّا
في آن ـ داخل بوتقة المزيج الروائي المتجانس. فالمكان،
في صيرورته وتفاعلاته مع الناس والأحداث، هو كائن حي،
ينمو، يتحرك، يتأثر، يؤثر، يحب، يكره. وإن بيت الإنسان
ـ كما في أبجدية "نظرية الأدب" ـ هو امتداد لنفسه،
فإذا وصفتَ البيت، فقد وصفتَ الإنسان. وإن البيت ـ كما
يرى جاستون باشلار في كتابه "جماليات المكان" (ترجمة
غالب هلسا) ـ هو أكثر من منظر طبيعي، إذ هو "حالة
نفسية، وهو جسد وروح، وهو عالم الإنسان الأول، وهو
واحد من أهم العوامل التي تدمج أفكار وذكريات وأحلام
الإنسانية".
والمكان يأخذ دوراً بلا شك في روايات
الواقعيين بعد أن كان المنظر الطبيعي، على حد مقولة
الدكتور طه وادي في كتابه "دراسات في نقد الرواية"،
مجرد ديكور للمشاهد الغرامية المأساوية لدى
الرومانسيين، بل وقد يكون المكان هو "البطل الرئيسي"
لبعض روايات نجيب محفوظ: الثلاثية، خان الخليلي، زقاق
المدق، وغيرها. فإن البيئة، أو الواقع المحلي أو
الشعبي، تظهر عند كتّاب الواقعية باعتبارها قوة فعالة
مؤثرة في حياة الشخصيات، ولا شك في أن هذا الوصف
المسهب للبيئة يمنح القارئ قدرًا من الإحساس بصدق
التصوير وواقعية الحدث. وعلى هذا يمكن القول إن المكان
في عمل واقعي (مثل أعمال محفوظ الواقعية) يشارك في صنع
الحدث أو الفعل القصصي.
وها هو (الزمان) ـ الفعلي لا الروائي ـ
يخرج بدوره من وراء مشربية (المكان) ـ الحقيقي لا
المتخيَّل ـ ليتحرك إلى الأمام بسرعة مذهلة. وها هي
أمكنة روايات نجيب محفوظ تمتثل لقانون التغيير الأزلي:
العطفة تتحول إلى شارع، والحانوت إلى سوبر ماركت،
والملاية اللف إلى فستان، والبيت الحجري القديم إلى
عمارة شاهقة. وتبقى الأثريات، والعمائر الإسلامية
العتيقة، وطائفة الحرفيين و"الصنايعية " المتأصلين ...
، يبقى هؤلاء كلهم ليحفظوا جسد الجغرافيا من التلاشي،
وروح التاريخ من الذوبان!
وعلى الرغم من بعض "العمليات الجراحية"
التي أجريت في جسد هذه الأمكنة، فإن الروح الشعبية
الطازجة ما زالت محوِّمة في الهواء، تتجمع قطيراتها
لتسقط مطراً ترضع منه نباتات العادات وأشجار التقاليد
المتوغلة في لحم الأرض، لتبقى هذه الأحياء معبرة ـ حتى
اليوم ـ عن صميم وجدان الشعب المصري البسيط.
إن الأحداث، كما يقول أمين مازن في
كتابه "دوائر الزوايا المتداخلة"، تختزن عادة في
ذاكرة الكاتب، سواء وهو يعيش الحياة اليومية، أي
إسهامات أفراد، أو عبر تأمله للواقع وتخيله إياه. وقد
يكون من الصعوبة، إن لم نقل الاستحالة، أن يفرق المرء
بين ما يختزنه الكاتب من تجارب الحياة، أو من واقع
التخيّل. وذلك لأن الأمرين يعكسان في النهاية نوعية
اختياراته، ويؤكدان طريق اهتمامه. فما يقدمه الكاتب في
نهاية المطاف هو الحصيلة النهائية لمعاناته إزاء
الواقع. ذلك أن التخيل يجسد طريقة التصور، والاختزان
يعكس مدى الاستجابة الحقيقية لما جرى في الزمن الماضي
بهدف الحنين إلى استعادته في المستقبل. إن المعرفة
والخطاب، وهذا ما يراه أونج في كتابه "الشفاهية
والكتابية" (ترجمة د.حسن البنا عز الدين) ينبثقان عن
الخبرة الإنسانية، وإن السبيل الأوليَّ إلى تنسيق هذه
الخبرة لفظياً هو روايتها كما حدثت تقريباً (أو كما تم
تخيّلها) أو كما أتت إلى الوجود من مجرى الزمن. وأحد
السبل إلى التعامل مع هذا المجرى هو التوصل إلى خط
سردي أو إنجاز بناء فني روائي متكامل.
وفي دهليز كل سبيل وخان وعطفة ودرب
وقبو وزقاق وميدان ومدرسة وبيت وجامع.. وغيرها من
الأمكنة التي دارت حولها وفيها وبها حكايات العم نجيب
محفوظ نبحث وننقب عما كان، وما هو كائن، استشرافاً لما
سيكون! |