|
المرأة و"بين القصرين" يخلعان البرقع !
في رواية "بين القصرين" تجسدت تمامًا معالم الحياة في
هذه المنطقة، وكذلك في "النحاسين" و"بيت القاضي" و"درب
قرمز" و"الخرنفش" و"الصنادقية" وغيرها من مناطق
القاهرة الفاطمية بالقرب من مسجد الحسين.
انتهت أحداث الرواية عام 1919 باستشهاد فهمي، الابن
الأوسط في عائلة أحمد عبد الجواد. ومع مرور هذه
الأعوام الطوال بين واقع الرواية وواقعنا الراهن،
تعاقبت الأجيال، وتوالت الأحداث، واختفى بيت أم ياسين،
وبيت زبيدة العالمة، وقهوة الصنادقية، ولم تعد المرأة
تجهل أمور العالم، ولم يعد هناك مكان للبرقع الأسود!
انطلاقًا من الرواية ذاتها، كان علينا أن نحدد بدقة
موقع بيت السيد أحمد عبد الجواد في "بين القصرين"،
ويصف نجيب محفوظ ذلك تفصيلياً: "كانت المشربية تقع
أمام سبيل بين القصرين، ويلتقي تحتها شارعا النحاسين
الذي ينحدر إلى الجنوب، وبين القصرين الذي يصعد إلى
الشمال" ( بين القصرين - صفحة 6 ).
وثمة معلومة أخرى إيضاحية: "غادرت الأم المشربية،
وتبعتها خديجة، على حين تلكأت عائشة حتى خلا لها الجو،
فانتقلت إلى جانب المشربية المطل على بين القصرين، ولم
يطل الانتظار بها، فقد مرق من عطفة الخرنفش ضابط بوليس
شاب، ومضى مقبلاً في طريقه إلى الجمالية" ( الرواية -
ص 30 ).
ولكي يتضح الموقع تماماً نمشي مع كمال عبد الجواد من
مدرسته القريبة من الحسين إلى البيت: "قطع طريق الحسين
وهو يقرأ الفاتحة، ثم انعطف إلى خان جعفر، ومنها إلى
بيت القاضي، ولكنه بدلاً من أن يمضي إلى البيت مخترقاً
النحاسين ، ...... ، عبر الميدان إلى درب قرمز على
وحشته وإثارته لمخاوفه ليتفادى من المرور بدكان أبيه ،
وخرج من القبو إلى الشطر الآخر من الدرب، وعند نهايته
طالعه سبيل بين القصرين ومدخل حمام السلطان، ثم لاحت
لعينيه مشربيات بيته بلونها الأخضر القاتم، والباب
الكبير بمطرقته البرونزية" (ص 58 ).
البيت إذن: عند نهاية سكة النحاسين، وامتداد شارع بين
القصرين (شارع المعز لدين الله حالياً)، وفي مواجهة
شارع الخرنفش (عطفة الخرنفش سابقاً)، وبمحاذاة درب
قرمز.
ولعل قصر
الأمير بشتاك (تم بناؤه في الثلث الثاني من القرن
الرابع عشر الميلادي) باتساعه وأدواره المتعددة
ومشربياته وجناحه المسكون ـ حتى الآن ـ ببعض الأهالي،
هو المعادل المكاني لبيت أحمد عبد الجواد وفقاً
للخريطة السابقة. ولكن: هل كان الكاتب الكبير يقصد هذا
البناء بالفعل؟ وهل كان يعتقد أن الزمن سيحفظه
بمشربياته وسكانه حتى اليوم؟!
والطريف أنه توجد بداخل قصر الأمير بشتاك إحدى اللوحات
التشكيلية لفنان أجنبي تجسد معالم الحياة في "بين
القصرين" في مطلع القرن العشرين على نحو قريب الشبه ـ
إلى حد كبير ـ مما صوره بالكلمة نجيب محفوظ خلال
روايته.
أما بيت أم أمينة الذي كان من النادر أن تذهب أمينة
إليه "وعند كل زيارة يصطحبها السيد في حنطور" (ص43)،
فلم يعد له أثر يوحي بهيئته العتيقة المرصودة في النص
الروائي، وقد كان موقعه في "عطفة الخرنفش"، وهذه
العطفة قد تحولت إلى شارع الخرنفش، وهو شارع متسع، به
مجموعة من العمائر الحديثة، ومكتب بريد. وأيضاً منزل
أم ياسين "في طريق الجمالية ـ
…
مروراً بعطفة قصر الشوق" (ص : 126 – 127) فلم يعد له
أثر حالياً أو معادل لهيئته في الرواية، وثمة بنايات
جديدة في تلك المنطقة.
وكذلك لا وجود للمقهى الذي كان عند ناصية الصنادقية
والذي كان أمامه بيت زبيدة العالمة، وفي هذا المحل
يوجد بيت قديم حقاً، دوره السفلي يشغله أحد دكاكين
الروائح والعطور. ويشكك الشيوخ من سكان البيت، وكثيرون
من أهالي المنطقة في وجود راقصات "عوالم" بين سكان هذا
الدرب، لا في عصرنا، ولا في زمن رواية "بين القصرين"!
أما ميدان بيت القاضي الذي كان كمال عبد الجواد "يسميه
ميدان ذقن الباشا، مطلقاً عليه اسم الزهر الذي يعلو
أشجاره، أو يسميه أحياناً أخرى ميدان شنجرلي ساحباً
عليه اسم بائع الشيكولاتة التركي" (ص: 191 - 192) فما
زال على اتساعه واخضراره رغم اختفاء شنجرلي بائع
الشيكولاتة التركي الذي حل مكانه سوبر ماركت حديث،
ومحل يعرض أقفاصاً للعصافير الملونة، وأضيف للميدان ـ
بالقرب من قسم الجمالية العتيق ـ أحد المستشفيات
التخصصية!
أما دكان أحمد عبد الجواد "فيقع أمام جامع برقوق
بالنحاسين" (ص 43)، ولعل هذا الدرب بالكامل باق على ما
كان عليه في المخيِّلة الروائية رغم التجديدات
الهامشية التي أجريت على الحوانيت الكثيرة المنتشرة
هناك والتي تضم حرف وصناعات النحاس والألومنيوم والذهب
والفضة والخشب والصدف والعطارة، حيث إن وسائل الصناعة
لم تتطور، وما زالت المهارة الفردية هي أساس أغلبية
هذه الحرف التقليدية. ولعل أبرز ما يصنعه النحاسون هي
الأباريق المشغولة والفازات المزركشة، وتجتذب مثل هذه
النقوش السائحين عادة، كما يجد فيها طلاب الفنون
الجميلة مادة تشكيلية مثالية ينقلونها في لوحاتهم
التدريبية.
وفي درب قرمز ـ ذلك الدرب الذي لم يتغير هو الآخر ـ
يقف أحد الأسطوات القدامى في حانوت صغير يحتوي على
تاريخ مصر منقوشاً في عدة لوحات وصور لزعماء مصر، يقف
ممسكاً في يديه تحفة نحاسية استغرق في صنعها قرابة
شهرين بتوصية من أحد السائحين، ويقول لنا في نبرة
حزينة منكسرة: "لم يعد الزمان زماننا، ورغم ذلك فلا
أستطيع التخلي عن فن أعشقه، وأشد ما يؤسفني أن الأجانب
فقط هم الذين يعرفون قدر معاناتي، ويبدو أن المصريين
لم يعد لديهم نزوع نحو الجمال!".
أما قبو درب قرمز الذي كان يخاف منه كمال عبد الجواد
حيث "تتخذه العفاريت مسرحاً لألعابها الليلية" (ص:60)
فلم يعد مخيفاً بالمرة، لزيادة معدل السكان بالمنطقة،
وبالتالي انتعاش حركة العبور من وإلى الدرب. وما زال
في الدرب فانوس قديم معلق، بالإضافة إلى بعض سمات
الحياة اليومية: موتوسيكل مستند إلى الحائط، سيدة تجلس
على دكة، عربة يدوية حديدية، صندوق مياه غازية فارغ،
كلب صغير يلهو، خرطوم قديم، .. إلخ. ولعل أطفال اليوم
أسعد حظاً من كمال عبد الجواد حيث إنهم يعبرون بكل
بساطة من القبو دون أدنى خوف، بعد أن ولى عهد
العفاريت!
ومنطقة الجمالية ـ كما يطلق الأثريون عليها ـ هي مدينة
القصور، فقد عاشت عصوراً تاريخية ذهبية، وتمثل أجمل
مباني العصر. ولكن مع آخر أيام الدولة الأيوبية بدأت
الأسواق تزحم المكان، وزحف وراءها البشر، وما زالوا
يزحفون إلى يومنا هذا، ويبدو أنه لابد من فض الاشتباك
بين الأثر والناس قبل أن تتحول البنايات التاريخية إلى
عشوائيات!
إن الجمالية هي أقدم وأندر وأجمل أحياء مصر القديمة،
وهي حي يحمل عبق التاريخ الإسلامي، ويرجع إلى ألف عام،
ويحتوي على عشرات الآثار الغالية، ويحمل الحي اسم "بدر
الجمالي المملوكي". وإذا كانت القاهرة عاصمة بداخلها
14 عاصمة، كما توضح الخبيرة الدكتورة شاهندة كريم في
دراسة لها، فالجمالية إحدى أبرز هذه العواصم، وهي
منطقة حرف الخشب والصدف والنحاس والألومنيوم والذهب
والفضة. ومن الأمكنة البارزة في المنطقة: الدرب
الأصفر، درب قرمز، التمكشية، بيت القاضي، بيت المال،
عطفة القناصة، .. والخانات والوكالات والخانقة والدرب
والزقاق .. إلخ. وهي حضارة وتراث ملك للبشرية، ولذلك
هبت الدول والمنظمات لمساعدتها! وقد تشكلت مؤخراً
مجموعة عمل لتحقيق "التنمية المتواصلة" التي تهدف إلى
رفع الحي إلى حيز الضوء لكي يتحول إلى منطقة متطورة
بمشاركة أهله، بإبراز عشرات الآثار الغالية وتطوير
الصناعات الموجودة وإنارة المزارات وخلق مجتمع يشعر
بقيمة الأثر وعوائده المادية والأنشطة التي تنسج حوله
لزيادة دخل الناس وزيادة مشاركة المرأة بالعمل.
وبالفعل فقد بدأت مراحل تنفيذ برنامج زمني لتطوير
وتنمية منطقة الجمالية والحفاظ على الآثار وحماية
البيئة، وذلك من خلال نقل الأنشطة الملوثة للبيئة
بعيداً عن الكتلة السكنية، حيث تم تخصيص مئات الأفدنة
بمنطقة القطامية لنقل الأنشطة الملوثة إليها. وقدرت
الميزانية المخصصة لهذه الأعمال بملايين الجنيهات
وفقاً للبرنامج المحدد والذي يشمل كذلك تبليط الشوارع
الأثرية بالبازلت وتخصيصها للمشاة لتتناسب مع الطابع
الأثري، مع نقل السكان المقيمين بالبنايات الآيلة
للسقوط وصيانة المباني القديمة، ولعل هذا الكم الوافر
من المساجد والقباب والآثار الإسلامية يجعل للمنطقة
طابعاً فريداً عند التعامل معها.
موت البرقع!
ولعل الأثر الذي امَّحَى ولم يحزن عليه أحد هو البرقع
الأسود الذي كان يغطي وجه ـ وحياة ـ المرأة في "بين
القصرين" وغيره من الأحياء الشعبية في مطلع القرن
العشرين!
كان البرقع بمثابة العازل لكل معالم المجتمع الخارجي،
فعندما نطق أحمد عبد الجواد ببعض حروف السياسة كان
أنْ: "أصغتْ أمينة إليه باهتمام وسرور، اهتمام يستثيره
في نفسها أي نبأ يجيء من العالم الخارجي الذي تكاد لا
تعرف عنه شيئاً، وسرور يبعثه ما تجد في حديث بعلها
معها عن هذه الشئون الخطيرة من لفتة عطف تزدهيها، إلى
ما في الحديث نفسه من ثقافة يلذ لها أن تعيدها على
مسمع من أبنائها، وخاصة فتاتيها اللتين تجهلان مثلها
العالم الخارجي جهلاً تاماً" (ص :18).
كانت المرأة ترى العالم من خلال المشربية فقط في البيت
المحافظ، ولم يكن البرقع وقفاً على المرأة المحتشمة،
فالمرأة اللعوب ـ مثل أم مريم ـ لم تكن تجرؤ على طرح
البرقع: "كان السيد مكباً على دفاتره حين طرقت عتبة
الدكان حذاء ذات كعب عالٍ، فرفع عينيه باهتمام غريزي،
رأى امرأة تشتغل الملاءة اللف منها على جسم لحيم،
وتنحسر حافة البرقع الأسود عن عينين مكحولتين" (ص
:388). هكذا كانت المرأة في حالتها الطبيعية داخل
السياق المجتمعي وداخل مملكة الرجل، ولا نتعرض هنا
لمحترفات البغاء اللاتي كنَّ في سجن أكثر بشاعة. وحتى
المرأة التي تتظاهر بالقوة والندية للرجل (أم ياسين)
فقد كانت زيجاتها المتعددة ـ في جوهرها ـ رمزاً للضعف
أكثر منها رمزاً للقوة والخروج عن الاستقطاب نحو
مركزية الرجل.
ولعل خروج المرأة في مظاهرات 1919 كان بمثابة الشرارة
التي انطلقت للتبشير بــ"المرأة الجديدة" صاحبة الدور
المختلف في المجتمع والبيت والحياة. وإذا كانت الرواية
قد استلهمت نموذج المرأة المقهورة ـ آنذاك ـ للتعبير
عن "مصر" المستعمرة، فإن حركة الواقع المعاصر نحو
الحرية النوعية تمثل مبرراً تاريخياً للحرية النوعية
التي تحظى بها المرأة ـ حالياً ـ في بين القصرين وغيره
من الأحياء.
لم يكن غريباً أن تبدو المرأة في وضعها السلبي قبل
ثورة 1919، ولم يكن غريباً أن يحادث أحمد عبد الجواد
خلصاءه: "تسائلني عن إنجاب الإناث؟ إنه شر لا حيلة لنا
فيه، ولكن الشكر إلى الله واجب على أية حال. لا يعني
هذا أني لا أحب ابنتيّ فالحق أنني أحبهما كما أحب
ياسين وفهمي وكمال سواء بسواء، ولكن كيف يطمئن خاطري
وأنا أعلم بأني سأحملهما يوماً إلى رجل غريب؟ ما حيلة
البنت الضعيفة حيال رجل غريب وهي بعيدة عن رعاية
أبيها؟" (ص:302).
ولم يكن غريباً أن تعتقد أمينة "أن الرجولة الحقة
والاستبداد والسهر إلى ما بعد منتصف الليل صفات ملازمة
لشخص واحد" (ص:9)، وأن تقول خديجة "الأمر لله في
السماء، ولأبي في الأرض".
إن التجربة الواقعية الضخمة هنا تحمل تربة خصبة لبذور
الميتافيزيقا التي تطرح ثمارها في الروايات اللاحقة
لنجيب محفوظ. إننا نجد، ونتفق في ذلك مع نبيل فرج في
كتابه "نجيب محفوظ - حياته وأدبه"، في هذه المرحلة
الواقعية بعض نبوءات الأبعاد الميتافيزيقية التي
تبلورت فيما بعد، ممثلة في شخصية السيد أحمد عبد
الجواد الذي يتسم بملامح ألوهية (لقد قالت خديجة:
"الأمر لله في السماء، ولأبي في الأرض"..، وقد اعترف
محفوظ نفسه في أحد حواراته بوجود تشابه ما بين
الربوبية والأبوة). كذلك يمكننا أن نرى في هذه المرحلة
الواقعية نفسها بقايا من الرصد التاريخي الدقيق،
انحدرت من المرحلة التاريخية الأولى.
إن دراستنا لأدب نجيب محفوظ تقودنا في حقيقة الأمر إلى
تلمس ثقافة بأكملها. والواقع أن الإبداع في كل صوره،
على حد تعبير الدكتور رمضان بسطاويسي في كتابه "الخطاب
الثقافي للإبداع"، هو تعبير عن إدراك متعدد المستويات
للعالم، ويعبر عن تصور هذه الفئة المبدعة للعالم،
وانتماءات هذه الفئة تسجل هذا الإدراك على نحو له
خصوصيته وآلياته في التعبير الإنساني، وبالتالي يمكن
اكتشاف (الثقافة) بمعنى صور الحياة التي تتبناها
قطاعات من الشعب، واتساع كم الإبداع الأدبي القصصي
والروائي قد ساهم في الكشف عن ثقافات (المكان)
المتعددة في طابعها الحفظي لذاكرة الأمة الثقافية.
استمرار الروح الشعبية
ـ "..وبادرت الأم والفتاتان إلى المشربية، ووقفن وراء
شباكها المطل على النحاسين ليرين من ثقوبه رجال الأسرة
في الطريق، وبدا السيد وهو يسير في تؤدة ووقار يحف به
الجلال والجمال، رافعاً يديه بالتحية بين حين وآخر،
وقد وقف له عم حسنين الحلاق، والحاج درويش بائع الفول،
والفولي اللبان، وبيومي الشربتلي" (ص:29).
ـ "..وكان السيد يرفع رأسه من الدفتر في فترات
متباعدة، فيستمع إلى التلاوة، أو يمد بصره إلى الطريق
حيث لا ينقطع تيار المارة وعربات اليد والكارو، وسوارس
التي تكاد تترنح من كبرها وثقلها، والباعة المغنون وهم
يترنمون بطقاطيق الطماطم والملوخية والبامية، كل على
مذهبه، ولم تكن الضوضاء لتحول بينه وبين تركيز ذهنه
بعدما اعتادها وألفها أكثر من ثلاثين عاماً فاستنام
إليها حتى ليزعجه سكوتها" (ص:44).
ينقل المشهدان السالفان، وغيرهما، صورة الحي الشعبي
المصري في بدايات القرن العشرين، حيث انتشرت
"الضوضاء"، واعتاد السكان عليها، سواء في طريق بين
القصرين أو في النحاسين عند دكان أحمد عبد الجواد.
والواقع أن هذه المنطقة لا تزال محتفظة بشعبيتها، ولا
يزال كائن الضوضاء يسكن فيها بعد أن زاد نفوذه، ونما
واستفحل!
إن بائع الفول والفولي اللبان وبيومي الشربتلي قد أضيف
إليهم حالياً بائعو كيزان الذرة المشوية والبطاطا
وصاحب عربة الكشري وبائع السندويتشات المتجول وصاحب
محل العصير وغيرهم. وسوارس التي تكاد تترنح من كبرها
وثقلها اختفت وحل محلها ما هو أكثر إزعاجاً، ونعني
بالطبع هذا العدد من السيارات والموتوسيكلات وعربات
النقل وما شابه ذلك.
المنطقة لا تزال على شعبيتها، ولا تزال جامعة لهذا
المزيج الاجتماعي: التجار، الصنايعية، الموظفين،
الطلاب، والعاملين في نطاق الآثار. ولم يعد هناك فرق
بين الرجل والمرأة من ناحية الدور الاجتماعي على النحو
القديم، فللمرأة أيضاً حظ من تلك الأنشطة (التجارة،
الصناعة، الوظيفة، الدراسة، الآثار، السياحة...)،
وتخلت المرأة عن حجرة العجين، والفرن، ولم يعد "السطح
هو الدنيا الجديدة التي تقضي فيها المرأة ساعة حافلة
بالحب والسرور مع الحمام والدجاج" (ص:40)، فقد خلت
الأسطح كلها تقريباً من الدواجن، واعتلتها هوائيات
وأطباق استقبال قنوات التليفزيون، ذلك الجهاز الذي
أسهم ـ هو وغيره ـ في توحيد الذوق الشعبي، والانتقاص
من خصوصية المكان. فلا يكاد يبدو اختلاف جوهري بين
طبائع البشر في الأمكنة الشعبية المختلفة، وإن ظلت
الخصوصية المعمارية والأثرية هي الطابع المميز لبين
القصرين.
إن كاتبنا المخضرم حريص دائماً، كما يوضح الدكتور غالي
شكري في كتابه "أزمة الجنس في القصة العربية"، على أن
يتخير قطاعاً إنسانياً يتجاذب ما فيه من خيوط معقدة
متشابكة، يحاول أن يستشرف لكيانها المعقد المتشابك
معنى أو دلالة. ويضطره ذلك لأن يعبأ بكثير من التفاصيل
الدقيقة، وأن يطرق من الموضوعات المتشعبة ما يصل به
إلى مفهوم عام للمجتمع أو الإنسان. وهكذا يخطئ
الكثيرون ممن يدرجونه على الحافة بين الاتجاهين
الطبيعي والواقعي. فما يأخذه من "الوراثة" لا يدع منه
عاملاً حاسماً في التطور، وما يجنح إليه من التفاصيل
والدقائق الصغيرة لا يستهدف به (الواقع طبق الأصل)،
وإنما يضفي عليه دلالات خاصة في حاجة إلى التأني
والتأمل!
|