|
المفتاح الحقيقي لفهم عالم نجيب محفوظ الروائي
بقلم الكاتب/ محمد سلماوي
(رئيس اتحاد كتاب مصر، والأمين العام لاتحاد الأدباء
والكتّاب العرب)
كثير من الأدباء من ارتبطت أعمالهم بالمكان ارتباطاً
عضوياً بحيث لم يعد من الممكن أن تُذكر أعمالهم إلا
وذُكرتْ معها المدينة التي جرت فيها أحداثها، ولم يعد
من الممكن أن تذكر المدينة دون أن يذكر معها الكاتب
وأعماله، وهكذا عرفنا "لندن ديكنـز" وهى ليست العاصمة
البريطانية التي نعرفها اليوم، وإنما هي ما صوّره
أديبها الروائي الكبير "تشارلز ديكنـز" في رواياته
الشهيرة: "ديفيد كوبرفيلد" و"آمال عريضة" و"قصة
مدينتين" .. وغيرها، والشيء نفسه بالنسبة لباريس "فكتور
هوجو" و"بلزاك"، وروسيا و"تولستوي" و"تشيكوف"، والشيء
نفسه أيضًا بالنسبة لأديبنا الأكبر نجيب محفوظ الذي
وضعه العالم ـ ولم نضعه نحن ـ في زمرة هؤلاء الكتاب
العظام الذين يقال عليهم عالميون، فمنحه أكبر جوائز
الأدب في العالم أجمع وهي جائزة نوبل في عام 1988.
فالمكان عند نجيب محفوظ هو عنصر أصيل في بنائه الروائي
الخاص، بحيث لا يمكن اقتلاع أحداث أي من رواياته
وزرعها في مكان آخر، فهل بإمكاننا أن نتصور أحداث
"زقاق المدقّ" في غير زقاق المدقّ؟! وهل بإمكاننا أن
نتصور أحداث "القاهرة 30" في أية عاصمة أخرى؟
لذلك تحمست لكتاب شريف الشافعي منذ أن بدأ ينشره
كمقالات مسلسلة في مجلة "نصف الدنيا" ليتعقب بحسه
الصحفي وبحساسيته الشاعرية مختلف الأماكن التي كان لها
أدوار رئيسية في أعمال نجيب محفوظ، لأنه بذلك قد وضع
يده على أحد العناصر الأساسية في الإنتاج الأدبي لأكبر
أدباء العرب.
وشريف الشافعي صحفي بارع يلتقط القيمة الخبرية فيما
حوله بتلقائية، ويقدمها للقارئ باقتدار، كما أنه ناقد
أدبي متمكن من أدواته التحليلية، لكنه قبل ذلك كله
شاعر غير هين، له من الشفافية مثل ما له من الحنكة،
وقد مكنه ذلك من معالجة موضوعه بطريقة متميزة اجتمع
فيها الحس الصحفي بالرؤية النقدية وامتزجت فيها
الصياغة السلسة بالحساسية الشعرية، ولولا ذلك ما توصل
شريف الشافعي إلى وضع يده على ما يمكن أن يكون المفتاح
الحقيقي لفهم عالم نجيب محفوظ الروائي .. ألا وهو
المكان. والمكان الذي يطغى عند نجيب محفوظ على ما عداه
من أمكنة هو القاهرة القديمة أو بمعنى أكثر تحديدًا هو
حي الجمالية الذي احتضن أحداث معظم رواياته الخالدة.
ولقد سألت الأستاذ نجيب محفوظ ذات مرّة: متى بدأ وعيه
بالمكان، فقال لي على الفور: "منذ بدأت أعي ما حولي،
فأول ما جاءني الوعي بأن هناك شيئاً حولي كانت
الجمالية أمامي".
والمكان عند نجيب محفوظ هو الذي يولد الشخصيات، والصلة
بين المكان والشخصيات هي التاريخ، وفي ذلك فهو يقول إن
رجال ونساء حي الجمالية هم أنفسهم بالنسبة له
الفاطميون وهم أيضًا الأيوبيون وهم المماليك ومن تبعهم
ممن عاشوا في هذه البيوت نفسها ومشوا في هذه الشوارع
نفسها. إذن فالمكان عند نجيب محفوظ ليس مجرد خلفية
للأحداث، وإنما هو أيضاً البعد التاريخي للأحداث
والأشخاص معاً. ولقد استطاع محفوظ أن يحوّل المكان
المحدد في القاهرة القديمة إلى رمز إنساني لأي مكان
آخر في العالم، وهكذا نجح في أن يصل إلى العالمية من
خلال المحلية لأنه أوصلنا إلى العام من خلال الخاص.
ولقد قلت ذات مرة مداعباً أديبنا الأكبر: ماذا لو
دعوتك يا أستاذ نجيب إلى فندق هيلتون أو شيراتون لشرب
القهوة؟ قال: سآتي معك بكل سرور، لكني سأعود بعد ذلك
إلى قهوتي في الفيشاوي! على أن نجيب محفوظ لم يعد إلى
القاهرة القديمة ولا إلى قهوة الفيشاوي قبل رحيله
بأعوام بسبب الظروف الصحية التي ألمت به بعد حادث
الاعتداء الغاشم الذي تعرض له عام 1994، وقد أخبرني
أنه كلما كان يستبد به الحنين إلى حيه القديم كان يطلب
من الأصدقاء أن يخرجوا به حيث ينظر إلى الحي من داخل
السيارة وهي تمر فوق الكوبري العلوي فيرى مئذنة الحسين
وسقف قهوته القديمة ويطلق العنان لخياله يصوّر له كيف
صار حال الحواري الصغيرة التي لا تدخلها السيارات
والتي لن يراها ثانية.
وميزة إضافية لكتاب شريف الشافعي الذي نشره على حلقات
صحفية، وهي أنه استطاع أن ينقل – ليس فقط للقارئ وإنما
للراحل نجيب محفوظ نفسه – واقع تلك الأماكن التي عاش
فيها وكتب عنها والتي كان حنينه لها يتزايد يوماً بعد
يوم. |